ثقافة العولمة بوصفها خطابا متطرفا

توفي المؤلف
-
الطبعات
الكتاب منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية بدون بيانات

ثقافة العولمة بوصفها خطابا متطرفا دراسة فكرية نقدية أعدها الباحث الجزائري عبد الله العشي الأستاذ بـجامعة باتنة، تتناول أبعاد العولمة الثقافية وتجلياتها الأيديولوجية بوصفها نسقاً استعمارياً متطرفاً يمارس الإقصاء والهيمنة على الهويات والخصوصيات الحضارية .

الإطار الفكري ومفهوم العولمة

ينطلق الكتاب من تأطير العولمة ضمن منظومة مصطلحات خطاب «ما بعد الحداثة»، مبيناً أن هذا الخطاب يقوم على تفكيك العقل والقيم والنظم والمجتمعات والدول لإعادة بنائها، وأن العولمة قياساً عليه تمثل «ما بعد الرأسمالية»، وما بعد السياسة والثقافة والدولة والأمة والدين والهوية، بهدف إعادة صياغة العالم في مشروع مفتوح محفوف بالمخاطر . ويرى المؤلف أن هذا التحول تغذيه ثورة المعلومات وهيمنة مؤسسات سياسية وعسكرية واقتصادية مؤدلجة على مخرجات العلم لتحقيق مصالحها الاستعلائية .

ويرى أن العولمة تسير ضد منطق التاريخ؛ لاستحالة إلغاء الهويات المتنوعة التي تشكلت عبر آلاف السنين، معتبراً إياها تمثل المرحلة الاستعمارية الثالثة بعد الاستعمار العسكري والاقتصادي . ويوضح أن غياب تعريف علمي جامع ومحدد للعولمة أمر متعمد لإخفاء أهدافها وترك المجال للمجتمعات لتتبناها ظناً منها أنها تطور ذاتي طبيعي . ويفرق بين مفهومين للعولمة: مفهوم نظري يسعى لتوحيد العالم في نظام ولغة وعقيدة واحدة، ومفهوم عملي واقعي يتمثل في المكاسب التي يحققها النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة، مع التأكيد على الفارق الجوهري بين عالمية الحضارة الإسلامية القائمة على التنوع وتلك العولمة المعاصرة .

أيديولوجيا العولمة وآليات الهيمنة

يبين الكتاب أن العولمة تعتمد أيديولوجيا نفعية تلغي الاعتبارات الأخلاقية والدينية بدعوى إعاقتها للتواصل الكوني، وتنهج سياسة المركز الغربي في تهميش الأطراف وإلغائها . وتوظف في سبيل ذلك ترسانة من الضغوط تشمل الاحتكار الإعلامي عبر وكالات الأنباء العالمية الكبرى لضخ الأنماط الغربية، وتطويع المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن لخدمة مصالحها، واستعمال الاتهام بـ«الإرهاب» و«المروق الدولي» والحصار العسكري والاقتصادي ضد الأنظمة الرافضة لمنظومتها .

ويفصل المؤلف مظاهر العنف الذي تمارسه العولمة في ثلاثة مرتكزات:

  • احتكار تفسير التاريخ: بالترويج لانتهاء مسار التاريخ عند النموذج الرأسمالي الغربي واعتبار الثقافات الأخرى عاجزة وقاصرة .
  • تفكيك الدول والأمم: بتفتيت الكيانات القومية والتكتلات الكبرى إلى هويات إثنية وطائفية ضيقة يسهل دمجها في السوق المعولمة .
  • التدخل القسري: بفرض تعديل النظم السياسية والتعليمية والاقتصادية في الدول بقوة النفوذ وسلطة الهيمنة .

الموقف في الخطاب العربي وردود الفعل

يستعرض العمل اتجاهات الفكر العربي المعاصر تجاه الظاهرة؛ مشيراً إلى شبه إجماع بين التيارات الإسلامية والقومية واليسارية وبعض التيارات العلمانية على مناهضة العولمة بوصفها مشروعاً استعمارياً يستهدف الذاتية الثقافية؛ مستشهداً بمواقف مفكرين من بينهم حسن حنفي، وهشام غصيب، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد محفوظ، في مقابل أصوات اعتبرتها فتحاً حضارياً مثل علي حرب .

ويرصد ردود الفعل المضادة لعنف العولمة، متمثلة في تصاعد حركات إحياء الهوية والصحوة الإسلامية بمختلف أوعيتها الدعوية والفكرية والإعلامية، ولجوء بعض الأطراف إلى المقاومة المسلحة، إضافة إلى انتعاش الأطروحات اليسارية المناهضة لتوحش الرأسمالية . كما يستند إلى أطروحات محمد عابد الجابري حول استهداف العولمة للأركان الثلاثة المشكّلة للهوية الثقافية: الوطن والأمة والدولة القومية لإضعاف السيادة الوطنية .

سبل المواجهة وبناء البديل

يختتم المؤلف بوضع معالم منهجية للتعامل مع العولمة وتحدياتها، مقسماً إياها إلى مستويين :

  • المستوى النظري: رفض التعامل مع العولمة كقدر حتمي لا مفر منه، والارتكاز على الثقة بالهوية والمرجعية الفكرية والدينية ومواجهتها من موقع القوة الذاتية .
  • المستوى العملي: الشروع في التحديث السياسي والثقافي والاقتصادي الذاتي لتقليل التبعية، وفهم آليات الغرب ومؤسساته من الداخل، والدخول في تفاعل حضاري ندي متوازن بدلاً من التقوقع، مع صيانة مقومات الأصالة وتطوير مناهج التعليم والخطاب الدعوي لحماية الهوية من التآكل .

تم تحديث الإجابة