تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان. . .﴾ - ضمن «آثار المعلمي»

توفي المؤلف
1386 هـ
الطبعات
دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان...﴾ رسالة تفسيرية موجزة كتبها عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (1306–1386 هـ / 1888–1966 م)، خَصّصها لبيان معاني الآيات الواردة في ابتلاء نبي الله سليمان عليه السلام من سورة ص، ونُشرت بوصفها «الرسالة التاسعة» ضمن المجلد السابع من مجموع «آثار الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني» .

موضوع الرسالة وبنيتها

تتناول الرسالة تفسير الآيات وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ۝٣٤ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ وما بعدها من سياق تسخير الريح والشياطين . وقد قسّم المعلمي رسالته إلى عدة عناوين تضمنت: «أجزاء الآية»، و«ما قيل في تفسير الآية»، و«تمحيص»، و«تدبر»، وختمها بـ«المحصل» .

التحليل اللغوي والدلالي لأجزاء الآية

بدأ المعلمي بتفكيك ألفاظ الآية وتدقيق دلالاتها:

  • فتنا: بيّن أن الفتنة هي الابتلاء والاختبار بعرض العبد لأمر يعترك فيه خوفه من الله وهواه، وأن مجرد الإخبار بالفتنة لا يقتضي وقوع معصية من سليمان عليه السلام .
  • جسدًا: رجّح أنه جسم إنسان أو حيوان لا روح فيه، مستشهدًا بنظائره في القرآن، ومستدركًا على صاحب القاموس إدخاله الجن والملائكة في تعريف الجسد .
  • ثم أناب: فرّق بين الإنابة والتوبة؛ فالتوبة تقتضي سَبْق مخالفة، بينما تصدق الإنابة بالتوجه إلى الله بعد غفلة ولو بغير معصية .
  • قال رب اغفر لي: بيّن أن سؤال المغفرة من الأنبياء لا يستلزم سبق معصية؛ لكثرة استغفارهم خشية التقصير أو الاشتغال عن الذكر .
  • وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي: استنبط من مجيء هذه الجملة عطف بيان للإنابة بغير واو أن للفتنة وإلقاء الجسد علاقة بالملك، وأن مراده طلب أعظم نصيب من الملك أمنًا من تغلب متغلب عليه، لا حرمان غيره .

عرض الأقوال ومناقشتها

استعرض المعلمي ثلاثة مسالك للمفسرين في بيان الواقعة:

  1. القول المنقول عن المتقدمين: المروي في تفاسير المأثور (كالدر المنثور) عن ابن عباس وغيره مما سُئل عنه كعب الأحبار من قصة فقد الخاتم واستيلاء الشيطان على الكرسي وغفلة سليمان أو احتجابه، وما زاده القصاص .
  2. قول النقاش (محمد بن الحسن بن زياد): حمل الجسد الملقى على الشق المولود الوارد في الحديث الصحيح في قصة طواف سليمان على نسائه دون أن يقول إن شاء الله، وهو توجيه نقله الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» وذكر أن النقاش صاحب مناكير .
  3. قول أبي مسلم الأصفهاني المعتزلي: أن الفتنة كانت مرضًا عضالًا ألمّ بسليمان حتى صار على كرسيه كأنه جسد بلا روح، وأخذ بهذا القول فخر الدين الرازي والألوسي في تفسيريهما .

وفي باب التمحيص، ردّ المعلمي قول النقاش لعدم دلالة سياق الحديث عليه، وردّ قول أبي مسلم لكونه حدسًا وتأويلًا متعسفًا . ورأى أن الروايات المنقولة عن السلف يمكن استخلاص أصل صحيح منها لا ينافي عصمة النبوة؛ كأن يكون ابتلي بتقصير لا تمنع العصمة صدوره كاحتجابه أيامًا، فألقى الله على كرسيه جسدًا خلقه يشبهه مدة خروجه، فظن قومه أنه هو، ثم اضطرب حبل الملك، فرجع سليمان وأناب وسأل ربه ملكًا عظيمًا لا يتغلب عليه أحد، بينما ألصق أهل الكتاب بالقصة زيادات باطلة وزعموا أن الجسد شيطان .

الحِكَم والنتائج

خلُص المعلمي في مبحثي «تدبر» و«المحصل» إلى أن لإجمال القرآن لحقيقة الفتنة والجسد حكمة مقصودة؛ فذكر القصة إجمالًا يحقق الاعتبار، ويدعو إلى عدم القنوط، وترك احتقار التائب، والنهي عن الغلو في تعظيم المخلوقين أو تقليد العلماء، مع إثبات حاجة الأنبياء إلى ربهم . كما يفيد الإجمال تعليم المسلمين أدب ستر الزلل عند ذكره والاقتصار على الإجمال مشفوعًا ببيان التوبة والثناء، وهو ما سار عليه المحدثون في نقد الرواة، منتهيًا إلى أن تفاصيل القصة لم تقم بها حجة قاطعة، وأن الاقتصار على مجمل النص القرآني هو المتعيّن .

تم تحديث الإجابة