فصل المقال لابن رشد

توفي المؤلف
595 هـ
الطبعات
دار المعارف

فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال رسالة فلسفية أصولية وضعها الفقيه والقاضي الفيلسوف أبو الوليد ابن رشد الحفيد (520–595 هـ / 1126–1198 م)، لبحث الحكم الشرعي في دراسة الفلسفة والمنطق، وتأسيس التوافق بين العقل والنقل وبيان قواعد التأويل وضوابطه .

موضوع الكتاب وغايته

ينطلق الكتاب من مسألة فقهية أصولية يفحص فيها ابن رشد على جهة النظر الشرعي ما إذا كان الاشتغال بالفلسفة وعلوم المنطق مباحاً أم محظوراً أم مأموراً به ندباً أو وجوباً . ويقرر أن فعل الفلسفة لا يعدو كونه النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع؛ إذ كلما زادت المعرفة بالمصنوعات كانت المعرفة بالصانع أتم . ويستدل على وجوب هذا النظر بنصوص قرآنية تحث على الاعتبار والتفكر، منها قوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ وقوله: أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ ؛ معتبراً ذلك أمراً باستعمال القياس العقلي والشرعي معاً لمعرفة الله تعالى وموجوداته بالبرهان . كما يبين أن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع لمن جمع شرطَي ذكاء الفطرة والعدالة الشرعية والفضيلة الخلقية، بصرف النظر عما إذا كان الواضعون لتلك القواعد المنطقية مشاركين للمسلمين في الملة أو من الأمم السابقة .

المنهج وقضايا التأويل

يؤسس ابن رشد في الرسالة لمبدأ أن الحكمة صاحبة الشريعة وأختها الرضيعة، وأنهما متفقتان في الغاية؛ ومن ثَمَّ فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له . ويقسّم الناس في تلقي الخطاب الشرعي إلى ثلاثة أصناف بحسب طبائعهم وطرق تصديقهم :

  • الخطابيون: وهم الجمهور الغالب من العوام، وفرضهم إمرار النصوص على ظاهرها دون خوض في تأويل .
  • الجدليون: وهم أهل التأويل الجدلي بالطبع أو العادة، كالمتكلمين .
  • البرهانيون: وهم أهل التأويل اليقيني بالطبع وصناعة الحكمة .

ويشدد على تحريم التصريح بالتأويلات البرهانية للجمهور أو تدوينها في الكتب الخطابية والجدلية؛ لأن إبطال المعنى الظاهر لدى العوام مع عجزهم عن إدراك التأويل يفضي بهم إلى الشك والكفر . ويوجه نقداً لـأبي حامد الغزالي وعلماء الكلام لإفشائهم التأويلات العويصة ومسائل الخلاف بين العامة في مصنفات غير برهانية، معتبراً أن ذلك أدى إلى تشويش العقائد وظهور البدع والفرق كالـأشعرية والـمعتزلة والـباطنية والـحشوية .

كما يقسم النصوص الشرعية إلى ما لا يجوز تأويله لكونه من أصول الملة وظواهره متفقة في الدلالة، وما يجب على أهل البرهان تأويله إذا عارض القواطع العقلية، مع وجوب إبقائه على ظاهره في حق العامة .

الصلة بالمؤلفات والاستقبال

يرتبط «فصل المقال» بمشروع ابن رشد الفلسفي والكلامي ارتباطاً وثيقاً؛ حيث وضع بعده كتاب «الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة» ليكون كالمتمم والذيل له في تفصيل العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها، كما يتصل بأطروحاته في كتابه «تهافت التهافت» .

حظيت الرسالة باهتمام نقدي وترجمت إلى اللاتينية ولغات أوروبية متعددة . وفي المقابل، تعرضت مقاربة الكتاب لنقد من بعض علماء الشريعة والنظار؛ حيث عابوا على ابن رشد جعله الفلسفة أصلاً يُحاكَم إليه النص، وتقسيمه الدين إلى ظاهر للعامة وتأويل خاص بالفلاسفة، ورأوا في منهجه تأويلاً فاسداً يخرج النصوص الشرعية عن حقائقها .

تم تحديث الإجابة