أسنى المتاجر وبيان أحكام من غلب على وطنه النصاري ولم يهاجر وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر

توفي المؤلف
914 هـ
الطبعات
مكتبة الثقافة الدينية

أسنى المتاجر وبيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر هي رسالة فقهية نوازلية صنفها الفقيه المالكي أحمد بن يحيى الونشريسي (ت 914 هـ / 1508 م)، تبحث في مسألة وجوب الهجرة من الأراضي الأندلسية التي استولى عليها النصارى إلى دار الإسلام، وحكم الإقامة تحت حكمهم والرجوع إليهم بعد الهجرة .

سبب التأليف وتاريخه

ألف الونشريسي هذه الرسالة في صورة جواب مبسوط عن استفتاء رفعه إليه الخطيب أبو عبد الله بن قُطبة ، وكان ذلك في أعقاب حركة نزوح لمسلمين من الأندلس تركوا ديارهم وأموالهم وهاجروا إلى بلاد المغرب، غير أن بعضهم شكى بعد وصوله من ضيق سبل المعاش وعدم توفر الرخاء والأمن المرجوّين، فندموا على هجرتهم وتمنوا الرجوع إلى أوطانهم تحت حكم النصارى وصرحوا بذم دار الإسلام ومدح ديار الكفر . وقد فرغ الونشريسي من تسطير جوابه يوم الأحد 19 ذو القعدة عام 896 هـ .

كما أُلحقت بالنازلة مسألة رجل تخلف عن الهجرة للبحث عن أخ مفقود في أرض الحرب، ثم رغب في البقاء لكونه عوناً للمسلمين ووسيطاً يدافع عنهم ويخلصهم من ورطاتهم لدى حكام النصارى، لمعرفة هل يُرخّص له في المقام لذلك الغرض .

المضمون الفقهي والمنهج

اعتمد الونشريسي في فتواه على آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية وإجماع أئمة الفقه ، ودارت الرسالة حول محورين رئيسين :

  • وجوب الهجرة: قرر أن الهجرة من دار الكفر والباطل إلى دار الإسلام فريضة شرعية باقية إلى يوم القيامة لكل من قدر عليها، ولا يُشترط لوجوبها ضمان سعة الرزق ورغد العيش، بل تجب إلى الحلو والمر والعسر واليسر صيانةً للدين والنفس والأهل .
  • تحريم الإقامة تحت حكم غير المسلمين: شدد في المنع من الموالاة والإقامة تحت حكم النصارى لغير العاجز، وذهب إلى أن استباحة هذه الإقامة أو تسويغها شذوذ ومروق من الدين ومفارقة لجماعة المسلمين .

وعلل الونشريسي قلة تصريح أئمة الفقه المتقدمين بهذه النازلة بعينها بأن المتقدمين تناولوا صورة من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر؛ لأن طروء غلبة الكفار على بلاد الإسلام وموالاتهم لم تكن واقعة في الصدر الأول، بل طرأت بعد انقراض عصر الأئمة المجتهدين، فالعلة مشتركة بين الصورتين ولا يُعتد باختلاف زمن طروئها .

النقل والمخطوطات والطباعة

أدرج الونشريسي نص هذه الفتوى كاملاً ضمن موسوعته الفقهية المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب ، ونقل نصها أيضاً الشيخ محمد بن أحمد عليش في كتابه فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك .

وتحتفظ عدة خزائن بنسخ خطية مستقلة من الرسالة، منها نسخة في مكتبة الإسكوريال برقم (1758) ، ونسخ في الخزانة العامة بالرباط، وخزانة شنقيط بموريتانيا، ومكتبة جامعة قاريونس في ليبيا .

نُشرت الرسالة محققة بعناية الدكتور حسين مؤنس في صحيفة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد عام 1377 هـ / 1957 م، ثم أعيد نشرها في مجلة معهد المخطوطات العربية عام 1959 م، وصدرت لاحقاً عن مكتبة الثقافة الدينية بمصر، ودار البيارق .

التلقي والجدل العلمي

تباينت آراء الدارسين حول الموقف الفقهي الصارم الذي تضمنته الرسالة؛ فقد انتقد المحقق حسين مؤنس رأي الونشريسي ونعته بالجمود والتشديد على مسلمي الأندلس في محنتهم . في المقابل، تصدى باحثون للرد على هذا النقد وبيان الأسس الفقهية والتاريخية التي بنى عليها الونشريسي موقفه لحماية هوية المسلمين ودينهم في ظل سقوط المعاقل الأندلسية، ومنهم عبد القادر العافية في مجلة «المناهل» ومحمد العربي الخطابي . وعلى النقيض من مسلك الونشريسي، صدرت في تلك الحقبة فتاوى أخرى تراعي الاستضعاف، كفتوى محمد بن أبي جمعة المغراوي الوهراني سنة 910 هـ التي رخصت لمسلمي الأندلس في استعمال التقية وإبطان الإسلام وإظهار النصرانية عند الإكراه .

تم تحديث الإجابة