جهود علماء المسلمين في تمييز صحيح السيرة النبوية من ضعيفها

توفي المؤلف
-
الطبعات
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة

جهود علماء المسلمين في تمييز صحيح السيرة النبوية من ضعيفها هو مؤلف وبحث للباحث عبد الكريم بن زيد عكوي، يتناول فيه القواعد العلمية والمناهج النقدية التي سلكها علماء الإسلام ونقاد الحديث في فحص روايات السيرة النبوية والمغازي، وبيان ما صحّ منها وتمييزه من الأخبار المعلولة والضعيفة والموضوعة .

أسباب العناية بالسيرة ومنطلقات التأليف

بيّن المؤلف في مستهل الكتاب أن علماء الحديث وضعوا قواعد دقيقة لفحص الأخبار، وكان من بواعث عنايتهم بالسيرة النبوية أنها موضعٌ للأحكام الفقهية وتصرفات النبي ﷺ التشريعية، فضلًا عن كونها الظرف العام الحاف بنزول الوحي وورود السنن . وأوضح أنه مع استقلال السيرة كعلم منفصل عن دواوين الحديث ظهر تساهل الأخباريين وأئمة المغازي الذين غلب عليهم الجمع والرواية دون النقد والتمحيص، كما أشار إلى ذلك الحافظ زين الدين العراقي في ألفيته، مما استدعى تتبع المحدثين لتلك المرويات وتمحيصها بالجمع بين نقد الأسانيد وفحص المتون .

مسالك النقد الخارجي للمرويات

فصّل الكتاب الخطوات التي اعتمدها علماء الإسلام في النقد الخارجي لأخبار السيرة، وقسمها إلى قواعد منهجية متكاملة:

  • استقصاء مصادر الخبر وطرقه وألفاظه: وتتبع الأسانيد والمخارج لحصر صيغ الحديث واستكمال أجزاء الوقائع وتفاصيلها؛ ومن ذلك الاعتماد على المتابعات والاعتبار، واستخدام ما يُعرف بـ"السند الجماعي" عند أئمة المغازي مثل ابن شهاب الزهري في روايته لحادثة الإفك بجمع روايات عدة من شيوخه ليصدق بعضها بعضًا .
  • تحكيم علم الرجال وقواعد الجرح والتعديل: اشتراط العدالة والضبط والاتصال، واستحضار أحوال الرواة من تواريخ المواليد والوفيات ورحلاتهم وشيوخهم وتلامذتهم للتمييز بين المقبول والمردود والترجيح عند التعارض؛ وضرب المؤلف مثالًا لذلك بتضعيف خبر ابن عباس في حصر أولاد النبي ﷺ من رواية أبي شيبة إبراهيم بن عثمان لكونه متروكًا .
  • ترتيب مصادر الأخبار بحسب قوتها وثبوتها: تقديم القرآن الكريم في الصدارة باعتباره أصدق المصادر وأعلاها، ثم كتب الحديث ودواوين السنة المسندة، ثم مصنفات المغازي والسير، تليها كتب التاريخ العام، ثم مظان السيرة في كتب الأدب مع الاحتراز الشديد مما فيها . واستشهد الكتاب بمنهج الإمام البخاري في كتاب المغازي من صحيحه، حيث يصدّر الأبواب بآيات القرآن جاعلًا إياها الأصل الحاكم قبل إيراد الأحاديث النبوية ومرويات أصحاب السير .

مسالك النقد الداخلي للمتون

أفرد الكتاب قسمًا واسعًا للنقد الداخلي لمضامين الأخبار، مؤكدًا أن ثقة الراوي لا تنفي احتمال وقوع الغلط والوهم منه ، وحدد لذلك أربع قواعد أساسية:

  • مراعاة أحوال الخبر والقرائن والملابسات: استحضار الإطار العام للحدث وتواريخ الأعلام والوقائع الواردة فيه؛ ومن أمثلته استشكال العلماء لحديث طلب أبي سفيان بن حرب زواج النبي ﷺ من ابنته أم حبيبة بعد الفتح مع ثبوت زواجه منها قبله بسنين ، ورد الخطيب البغدادي لوثيقة إسقاط الجزية عن أهل خيبر لتضمنها شهادة سعد بن معاذ الذي توفي قبل خيبر ومعاوية بن أبي سفيان الذي أسلم بعد ذلك، ونقد ابن حجر العسقلاني لخبر قدوم ضمام بن ثعلبة، ونقد ابن سيد الناس والذهبي لخبر بحيرى الراهب .
  • استحضار معارض الخبر والترجيح: مقابلة الروايات ببعضها وعدم الاعتماد على رواية منفردة تخالف الروايات الثابتة، كالموازنة بين روايات زواج النبي ﷺ بميمونة بين الإحرام والحل، ومقابلة الروايات التاريخية في بيعة علي بن أبي طالب لأبي بكر الصديق، وأخبار خروج أبي ذر الغفاري إلى الربذة .
  • تحكيم قواعد العادة وسنن الحياة: رد الأخبار التي تناقض سنن الاجتماع البشري والعادة الجارية، مع استثناء ما ثبت بالأسانيد الصحيحة من دلائل النبوة ومعجزات الرسول ﷺ وخوارق العادات المقرونة بصدق النقل .
  • استحضار الكليات وتحكيم الأصول القطعية: رد كل ما يخالف أصول الشريعة وقواعدها القطعية كأصل عصمة الأنبياء، ومثّل له بإبطال المحققين لقصة الغرانيق كما فصّل الإمام ابن العربي المالكي في كتابه أحكام القرآن .

خاتمة الكتاب

خلُص الكتاب إلى أن منهج علماء الإسلام في التعامل مع مرويات السيرة قام على نظرة شمولية؛ تجمع بين استقصاء الأسانيد والمصادر، وسبر أحوال الرجال، ونقد المتون بمقتضيات القرائن التاريخية، والسنن الكونية، وأصول الشريعة المحكمة .

تم تحديث الإجابة