الرشوة

توفي المؤلف
1420 هـ
الطبعات
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

الرشوة رسالة وبحث فقهي وتحليلي للشيخ عطية محمد سالم (ت. 1420 هـ / 1999 م)، يتناول فيه مفهوم الرشوة وأدلتها في القرآن الكريم والسنة النبوية، ومفاسدها الاجتماعية والاقتصادية، والفروق الدقيقة بينها وبين الهدية والسحت، وأحكام المصانعة بالمال لدفع الظلم واستنقاذ الحقوق .

سياق التأليف ومقصده

سطّر المؤلف هذا البحث عندما كان قاضياً بالمحكمة الكبرى في المدينة المنورة؛ وجاءت كتابته تلبيةً لطلب من جهة الإعلام لإعداده مادةً علمية تُعرض في حلقات تلفزيونية تُعالج هذه الظاهرة وتبين حكمها الشرعي وآثارها ، ونُشر البحث كذلك في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة .

الدلالة اللغوية والاصطلاحية

استهل المصنف رسالته ببيان الدلالة اللغوية للفظ الرشوة؛ مبيناً أنها مأخوذة من «رشا الفرخ» إذا مد رأسه لأمه لتزقه، أو من «الرشاء» وهو حبل الدلو الذي يتوصل به إلى الماء في قعر البئر . وربط بين الأصل اللغوي والحالة النفسية للمرتشي والراشي؛ فالمرتشي يظهر في ضعف شخصية وهوان كفرخ عاجز يمد فاهه لما يُلقى إليه، ويتدلى بالرشوة من علياء العزة والأمانة إلى درك الخيانة والذل، بينما يلجأ الراشي إلى الإدلاء بماله متخفياً كالدلو في ظلمة البئر ليصل إلى ما لا يستحقه .

وناقش المؤلف الألفاظ المقاربة لها كالبرطيل والسحت والمحاباة والجُعل؛ فرأى أن المصانعة والمحاباة أعمّ من الرشوة، وكذلك الجُعل الذي هو نوع مشروع من الإجارة بضوابطه . واستعرض التعريفات الاصطلاحية للعلماء، مرجحاً تعريف الجرجاني بأن الرشوة هي «ما يُعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل»؛ لكونه أدق التعاريف وأقربها لمدلول النصوص القرآنية . كما فصّل في الفرق بين الرشوة والسحت؛ مبيناً أنهما يجتمعان إذا كان العمل محرماً من الطرفين، وينفرد السحت إذا كان التحريم من جانب الآخذ وحده مع اضطرار الدافع .

دراسة النصوص القرآنية والحديثية

اعتمد الكتاب منهجية تحليل النصوص ضمن سياقاتها الكاملة في القرآن الكريم، وحصر مآخذ الرشوة في ثلاثة مواضع:

  • الموضع الأول: قوله تعالى في سورة البقرة: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ؛ وحلل وجه مجيئها في ثنايا تشريع الصيام، لربط التقوى المكتسبة من الإمساك عن الحلال بوجوب الكف طوال العام عن أكل الحرام، مبيناً دلالة التعبير بالإدلاء وعطف الرشوة على عموم أكل المال بالباطل .
  • الموضعان الثاني والثالث: في سورة المائدة، في وصف المسارعين إلى الكفر واليهود والمنافقين بقوله تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ، وقوله سبحانه: وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ؛ واستخرج منهما أوصاف أكلة السحت من الكذب وتحريف الكلم ومحق البركة وفساد القلوب، ولوم الأحبار والربانيين على ترك النهي عن المنكر .

ثم استعرض الأحاديث النبوية؛ كحديث لعن الراشي والمرتشي والرائش، وحديث ابن اللتبية في هدايا العمال وتقرير مبدأ «من أين لك هذا؟»، وأحاديث تحريم هدايا الأمراء واعتبارها غلولاً . ودعم ذلك بوقائع تاريخية وآثار عن الصحابة والخلفاء؛ كرفض عبد الله بن رواحة رشوة يهود خيبر، ومحاسبة عمر بن الخطاب لعماله ورده للهدايا الموجهة لأهله، وموقف عمر بن عبد العزيز في امتناعه عن قبول التفاح المهدى إليه لكونه في حق العمال رشوة .

مضار الرشوة وسبل علاجها

فصّل المؤلف المفاسد المترتبة على تفشي الرشوة ودرجات خطورتها بحسب موضعها:

  • في القضاء والحكم: تؤدي إلى عزل الحاكم شرعاً لطعنها في عدالته، وتغيير الأحكام الشرعية، وفقدان ثقة الناس بالقضاء ولجوئهم إلى أخذ الحقوق بالقوة والانتقام .
  • في الدوائر الإدارية والمناصب: تتسبب في تعطيل مصالح المراجعين وابتزازهم، وتولية غير الأكفاء وتقديمهم على المستحقين .
  • في الثغور والجمارك والصفقات العامة: تسهم في إدخال الممنوعات والسموم والمخدرات، وتمرير الأغذية الفاسدة والمشاريع المغشوشة وإفشاء أسرار الدولة .
  • على الأفراد: تؤدي إلى موت الضمير وإفساد الذمم وتكاسل الطلاب والموظفين عن الجد والتحصيل اعتماداً على الطرق الملتوية .

وحدد منهجاً لعلاج هذا الداء يبدأ بتقوية الوازع الديني بالتوعية، وإحكام الرقابة على الأجهزة الإدارية، ومصادرة كل ما يثبت أخذه بطريق الرشوة، وتكامل الدور بين العلماء لبيان الأحكام الشرعية وولاة الأمر لتطبيق العقوبات والردع السلطاني .

التمييز بين الهدية والرشوة وحكم المصانعة عند الاضطرار

عقد المصنف فصلاً للتمييز بين الهدية المشروعة التي تورث المحبة وتؤلف القلوب، وبين الرشوة المحرمة، محذراً من التستر وراء مسمى الهدية لاستحلال الحرام . وبحث صوراً مشتبهة مثل مكافأة من أدى عملاً إضافياً، أو بذل العطاء للموظفين للإسراع في المعاملات، مبيناً منع ما يؤدي إلى تأخير معاملات الآخرين أو فتح باب الاستشراف والمحاباة سداً للذريعة .

ثم استعرض أقوال المفسرين والمحدثين وفقهاء المذاهب (الحنابلة، والمالكية، والحنفية) وكلام ابن تيمية في حكم من اضطر إلى بذل ماله لدفع ظلم عن نفسه أو دمه أو ماله، أو لاستنقاذ حق ثابت تعين عليه؛ مبيناً قول الجمهور بجواز الدفع للمضطر واستنقاذ حقه كالأسير مع بقاء التحريم والإثم على الآخذ وحده ، ومشيراً إلى رأي الشوكاني الذي خالف الجمهور ومشى على المنع لعموم النصوص . وأكد تقرير القواعد الفقهية التي تجيز بذل المال لوقاية العرض ودفع الظلم مع تأثيم الآخذ .

تم تحديث الإجابة