المصالح المرسلة - ضمن «محاضرات الشنقيطي»

توفي المؤلف
1393 هـ
الطبعات
دار عطاءات العلم

المصالح المرسلة رسالة أصولية موجزة أصلها محاضرة أملاها الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (1325–1393 هـ / 1905–1974 م)، بيّن فيها حقيقة الاستدلال بالمصلحة المرسلة، وأقسام المصالح والأوصاف المناسبة، وموقف أئمة المذاهب الفقهية من الاحتجاج بها وضوابط إعمالها .

سياق الرسالة وتدوينها

أُعدّت هذه الرسالة في أصلها كمحاضرة أملاها المؤلف لتُلقى نيابةً عنه في الموسم الثقافي بـالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لعام 1390 هـ . وطُبعت لاحقًا مفردةً ضمن منشورات الجامعة الإسلامية عام 1410 هـ ، ثم أُدرجت ضمن المجلد الخاص بـ«المحاضرات» في مشروع «آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي» بإشراف بكر بن عبد الله أبو زيد .

المضمون والتقسيم الأصولي

استهل المؤلف الرسالة بتقرير أن مدار التشريع السماوي يقوم على ثلاث مصالح: درء المفاسد (الضروريات)، وجلب المصالح (الحاجيات)، والجري على مكارم الأخلاق وأحسن العادات (التحسينيات والتتميميات)، مبيّنًا أن كل مصلحة منها قد تكون مرسلة أو غير مرسلة . وقسّم الأوصاف من حيث إناطة الحكم بها إلى:

  • الوصف المناسب: ما تضمنت إناطة الحكم به إحدى المصالح الثلاث بذاتها، كتحريم الخمر لحفظ العقل .
  • الوصف الطردي: ما خلت إناطة الحكم به من أي مصلحة بالذات أو التبع، وهو ما لا يصح التعليل به إجماعًا؛ كالطول والقصر .
  • الوصف الشبهي: ما لم يتضمن المصلحة بالذات ولكن استلزمها بالتبع، وهو الجامع في قياس الشبه .

وبيّن أن الوصف المناسب ينقسم باعتبار شهادة الشرع إلى: «مؤثر وملائم» إن دل دليل خاص على اعتباره، و«غريب» إن دل دليل خاص على إلغائه وإهداره لتحصيل مصلحة أهم، و«مصلحة مرسلة» (وتُسمى أيضًا بالاستصلاح والمناسب المرسل) إن لم يشهد له دليل خاص باعتبار ولا بإلغاء .

الدفاع عن مذهب مالك وتطبيقات الصحابة

ردّ الشنقيطي على ما شُنّع به على الإمام مالك بن أنس في مسألة الاستصلاح، نافيًا نسبة تجويز «قتل ثلث الأمة لإصلاح ثلثيها» أو «قطع الأعضاء في التعزيرات» إليه، ومؤكدًا أنها دعاوى باطلة لا توجد في كتب المالكية . وأوضح أن ما رُوي عن مالك من ضرب المتهم ليقر بالسرقة مخصوص بمن ثبتت خيانته مسبقًا ثبوتًا لا مطعن فيه .

وسرد جملة من الوقائع التطبيقية التي استند فيها الصحابة إلى المصالح المرسلة دون نكير، ومنها:

  • نَقْط المصحف وشكله وجمعه على مصحف واحد وتحريق ما سواه .
  • استخلاف أبي بكر الصديق لـعمر بن الخطاب، وجعل عمر الخلافة شورى بين ستة من الصحابة .
  • هدم الدور المجاورة للمسجد النبوي لتوسعته، وزيادة عثمان بن عفان الأذان الأول يوم الجمعة لكثرة الناس .
  • شراء عمر بن الخطاب دارًا بمكة واتخاذها سجنًا، وتدوين الدواوين للجند .
  • استبقاء عمر أرض الغنائم (السواد) دون قسمتها لمصلحة أجيال المسلمين القادمة ولتأمين خراج يحمي الثغور .

مناقشة المذاهب وضوابط العمل بالمصلحة

ناقش المؤلف موقف الأصوليين ونقل عن القرافي أن العمل بالمصالح المرسلة ليس من خصائص المالكية بل تشترك فيه سائر المذاهب الفقهية عملًا وإن تبايَنوا اصطلاحًا . كما استعرض شروط أبي حامد الغزالي في «المستصفى» ومسألة التترس وتوظيف الخراج، وتعقبات ابن السبكي والأبياري عليه .

وختم الشنقيطي رسالته بتقرير أن الأخذ بالمصلحة المرسلة ليس تشريعًا مستقلًا، بل يستند إلى استقراء الشريعة وإجماع الصحابة العملي، غير أنه يوجب التحفظ والاحتياط التام بشروط أربعة :

  1. التحقق من صحة المصلحة وملاءمتها لمقاصد الشرع .
  2. ألا تعارضها مصلحة أرجح منها؛ كمصلحة إبقاء شجر العنب المرجوحة بدرء عصر الخمر لكنها راجحة بانتفاع الناس ، ومصلحة مساكنة الرجال والنساء في البلد الواحد للتعاون .
  3. ألا تستلزم مفسدة أرجح منها أو مساوية لها؛ كفداء الأسرى بسلاح يعين العدو على قتل مماثلهم أو أكثر .
  4. ألا تؤدي إلى مفسدة في ثاني حال مستقبَلًا؛ ومثّل لها بما وقع لقوم نوح عليه السلام حين صوّروا الصالحين ابتداءً لتذكر العبادة، فآل الأمر في الأجيال اللاحقة إلى عبادتها والوقوع في الشرك .

تم تحديث الإجابة